حيدر حب الله
375
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
حجية الآحاد ونحوها ، لأن عدم هذه الأدلّة سيصيّرها - أي الآحاد - بلا قيمة ، على خلاف الحال في اليقين ، فإن الأصولي وإن بحث هذا الموضوع في القرنين الأخيرين إلا أنه جاء ضمن سياق تفريعات معينة ، وإلا فمبدأ حجية اليقين مما لا شأن للأصولي به ولا نقاش له فيه ، وإنما هو معرفي فلسفي من شأن الابستمولوجيا والمعرفيات ، أو فلسفي عملي من بدهيات العقل العملي . 5 - الثبوت والإثبات : يقصد بهذين المصطلحين اللذين أوردتهما هنا لصلتهما بالبحث ، ما يشبه - أحيانا - المقصود من اصطلاحي : الإمكان والوقوع في الفلسفة ، فحينما يتحدّث الأصولي عن مقام الثبوت لشيء فإنه يتحدّث عما هو في حدّ نفسه وفي مقام ذاته ، بعيدا عن ثبوته لنا أو عدم ثبوته لنا ، فيقولون : الحكم في مقام الثبوت كذا وكذا ، أي بعيدا عن علاقاته بحالات الكشف والاكتشاف والإبراز والإبداء و . . . أما مقام الإثبات فيعني الصورة الانكشافية للشيء في أفق العقل أو في أفق الإظهار . وثمة استخدامات متداخلة لهذين المصطلحين ، لكن المؤكّد أن مقام الثبوت أسبق عندهم من مقام الإثبات ، تماما كالإمكان والوقوع ، ففي البداية يكون إمكان الشيء في مقابل استحالته ، وعلى ضوء إمكان وقوعه يقع ، وما لم يكن فيه طاقة الإمكان لا يمكن أن يقع ، وهذا معناه أننا لكي ندرس وقوع شيء نشك في وقوعه ، يفترض بنا البحث عن إمكان وقوعه ، فإذا استحال وقوعه فلا معنى للبحث بعد ذلك عن واقع وقوعه ، أمّا إذا أمكن وقوعه ، فننتقل إلى مرحلة البحث عن أنه وقع أم لا ؟ وهكذا الحال في الثبوت والإثبات عند الأصولي ، فإذا كان أمر ما مستحيلا في ذاته ومقام ثبوته ، فلا معنى للبحث عن تلك الأدلّة التي تدّعي وقوعه ، إذ ستغدو عديمة الجدوى ما دام مستحيل الوقوع ، أمّا إذا أمكن وقوعه فننتقل إلى دراسة هذه الأدلة لنرى هل بعد إمكان وقوعه قد وقع أم لم يقع ؟ والقراءة الفلسفية للظن عند علماء أصول الفقه الشيعي قراءة في عالم الثبوت ، أي إن ابن قبة الرازي يرى استحالة التعبد بالظن وبخبر الواحد ؛ إذا فلا معنى عنده للبحث في آية النبأ ، أما علماء الأصول الساعون لفلسفة مقولة الظن فإنهم يريدون فقط - أي في الحدّ الأدنى - إثبات إمكان التعبد وعدم استحالته ، لكي ينفتح المجال بعد ذلك لدراسة أدلّة خبر الواحد « 1 » . وبهذا تظهر خطورة هذا الموضوع ، ذاك أنه ينسف شرعية البحث في كل الظنون وأدلّتها ، إذا لم يتم تجاوزه ، والنظريات التي سنعرضها قريبا يكفيها أن تقدّم تفسيرا
--> ( 1 ) - لمزيد من الاطلاع ، راجع : العراقي ، الأصول ( 2 ) : 84 .